لم يكن اعتقال طالبة جامعية يرتدى شقيقها "كوفية فلسطين" مصادفة كما انه لم يكن مخبر أمن الدولة لديه تعليمات باعتقالها انما هى تعبئة سابقة من النظام ضد القضية الفلسطينية والذى على اساسها تصرف المخبر دون وعى بان الكوفية ليست جريمه بقدر ما تحمله من معانى .
فى أول أيام عيد الأضحى المبارك بمدينة الزقازيق محافظة الشرقية .. ها هي الجموع تتجه إلى الاستاد الذي اعتادت أن تؤدي به صلاتها .. صفوف من المصلين .. يدخلون واحدا تلو الآخر بعد تفتيش ذاتي لكل منهم .. و من بين تلك الصفوف تم " اختطافها "..
" آية عيد " .. فتاة من أهالي تلك مدينة الزقازيق، طالبة جامعية بكلية العلوم، لم تدخل عقدها الثاني بعد .. كل ذنبها انها ذهبت لتقيم سنة.. صلاة عيد الاضحى وسط بهجة وسرور لكنه القدر.
ذهبنا إلى والدتها فهى سيدة طيبة شرقية الملامح و أصيلة الطباع، حاولنا جاهدين محاورتها لتخبرنا عن بعض التفاصيل إلا أنها أبت ورفضت رفضاً شديداً .. حتى أنها لم تسمح لنا بالجلوس مع ابنتها أو الحديث معها ؛ بعد عدة محاولات .. كان حوارنا مع محامي الفتاة الأستاذ " الحسيني إبراهيم الحسيني " .
* الأستاذ الحسيني .. بصفتك محامي الطالبة "آية عيد" أخبرنا كيف تم اعتقالها أمام الاستاد ؟
بدايةً الأمر حدث بشكل هادئ إذ اعتاد الأمن أن يقوم بإدخال المصلين في صفوف وتفتيش كل فرد يدخل الاستاد ، وللعلم هذه ليست المحاولة الأولى للتضييق على الأخوات إذ قام الأمن بتفتيش عدد من الأخوات و الفتيات من قبل أذكر على سبيل المثال أن بعض أفراد أمن الدولة قاموا بتفتيش الأخت " أمل سعيد " والأخت "ناهد رسلان" و أخذوا بعضاً من ممتلكاتهما الخاصة .
كما هدد أحدهم باختطاف "رضوى صديق الحضري" طالبة بهندسة الزقازيق إلا أن الأخوات تصدوا له ، فاتجه إلى أن " يرمي بلاه على الخلق " .
كانت أية متجهة إلى الاستاد هي و أختها و أخوها المريض بالقلب (توأم بالصف الأول الإعدادي) وكان أخوها يرتدي كوفية فلسطينية وعندما رأى المخبر يقوم بتفتيش المصلين وكان أول مرة يذهب للصلاة بالاستاد فخاف وهلع من مشهد الأمن وقام بخلع الكوفية وقال: "أنا خايف أنا هقلع الكوفية " فهدأته أخته وأخذت منه الكوفية و وضعتها في حقيبتها وعندها لمحها المخبر " محمد عبد الله " ولاحظ أخيها وهو خائف فقام بتفتيشها وتفتيش حقيبتها الشخصية رغماً عنها بعد مشادة بينهما ثم أوقفها هي وأخويها جانباً و قال لها أحد الضباط "احنا هنركبك البوكس دلوقتى و هنبهدلك وهتشوفي إيه اللى هيحصلك ".
ثم طلب الضابط منها أن تركب معه السيارة ليذهب بها إلى المنزل ورغم أنها تعرف أنه لن يذهب بها إلى المنزل إلا أنها ركبت- بعد مشادة مع الضابط - تهدئة لوضع أخويها فقد كانا في حالة من الإنهيار.
* وبعد ذلك .. إلى أين تم اقتياد الطالبة آية ؟
تم اقتيادها إلى قسم ثانى الزقازيق فى تمام الساعة السادسة والنصف صباحاً ثم بعد ذلك تم نقلها إلى نيابة قسم ثانى الزقازيق فى تمام الثانية ظهراً فى سيارة شرطة وفى يديها " كلابشات " و تم أخذها إلى وكيل النيابة، والذى قام بالتحقيق معها فى التهم الواردة وأصدرت النيابة قرارها بإخلاء سبيل آية فى حوالى الساعة الرابعة عصراً، ولكنها عادت الى قسم ثانى الزقازيق بإنتظار ضابط أمن الدولة ليقوم بالتحقيق معها إلا أن الضابط لم يأتى لذا تم أخذها الى مباحث أمن الدولة للتحقيق معها .
* وبما تفسرعدم احترام الامن لقرار النيابة؟
من المؤكد أن ذاك تخبط يطيح بصلاحيات السلطة القضائية بمصر، إذ كيف بعدما أنهت النيابة تحقيقها وهى السلطة العليا يتم التحقيق معها فى أمن الدولة بعد ذلك على نفس التهم لكن المسار الطبيعي أن نأخذها من النيابه إلى بيتها .
* هل تواجد أحد مع آية أثناء فترة الإعتقال ؟
نعم .. كان هناك عشرين محامياً من محامين الإخوان منهم عبد الله البحراوي و خالد عبد الهادي.. وغيرهم ووالدها ووالدتها، وبعض أقاربها وعدد من صديقاتها اللاتي لم يتركنها .
وأذكر أنه عندما وصل والدها إلى القسم أخذ يصرخ بأمناء الشرطة و يقول لهم "لو كانت واحد بيشرب مخدرات كنت عملت معاه كده دي واحده رايحه تصلي .. عملت إيه هي عشان تجيبها هنا ؟!! " .
* الواضح أن السبب الذي أُخذت به هو موضوع الكوفية، فما هى التُهم التي وُجهت لها في تحقيقات النيابة العامة ؟
موضوع الكوفية هو الأمر الذي جعل المخبر يتجه إليها فقط، أما التهم التى وُجهت إليها بالمحضر فهى إعداد منشورات وتكدير الأمن العام وإنتمائها الى جماعة محظورة ... وتهم أعتاد الناس على سماعها ليس هناك جديد!
وكانت النتيجة الطبيعية التى أعتدنا عليها هى إخلاء سبيل المتهم وهذا ما حدث مع آيه، فبعد أن صدر قرارالنيابة بإخلاء سبيلها إلا أن أمن الدوله تقاعس عن تنفيذ أوامر السلطة القضائية .
* متى خرجت "آية" من جهاز أمن الدولة و كم هو طول المدة التي قضتها في فترة الاعتقال ؟
خرجت أية حوالى الساعة العاشرة والنصف ليلاً، والفترة الكلية التي قضتها هي حوالي 16 ساعة .
هل لاقت "آية" أيّـَاً من المعاملة السيئة أو ما إلى ذلك طوال تلك الفترة ؟
نعم ..كانت هناك بعض المشادات الكلامية..على سبيل المثال عندما كانت داخل القسم قال لها الضابط " اقعدي اترزعي مش عاوز أشوفك و لا طايق أسمع صوتك " وأخذ يصرخ بها مما جعل أخوتها يخافون، كما أنها وضعت في زنزانة مظلمة، فقط هناك مصباح واحد بالحمام و الحمام أصلاً حالته سيئة.. وأدخلنا لها معطفاً إلا أنه لم يدخل وقال لها عسكري الزنزانة " انتي فاكرة نفسك هتطلعي ده انتي بتحلمي " .. أشياء من هذا القبيل .
* وهل كانت هناك أى محاولات ضغط أو مضايقة لأهلها ؟
نعم ..كان هناك بعض المضايقات لأهلها فقد ذهب أحد مخبرى أمن الدولة الى بيت الفتاه، وهدد والدتها و قام بالضغط عليهم لعدم التحدث الى وسائل الإعلام والصحافة .
* حينما تعتقل فتاة لم تدخل عقدها الثاني بعد - فهي بنت الثمانية عشر عاماً- و في يوم عيد ومن أمام الناس ولم يَصُدّ أحد عنها أيدي من أعتقلوها بالتأكيد سيكون لذلك مردود عليها ..فهلاَّ أخبرتنا كيف كانت حالتها طوال تلك الفترة ؟
تبسم ضاحكاً ثم قال .. لو أخبركم أنها حقاً كانت صاحبة صمود و قوة رائعة فلم تبكي أو تذرف حتى دمعة واحده، كانت رافعة رأسها تجُر خلفها يد العسكري الذي يشاطرها قيدها .. !
وبالمناسبة سألتها بعد خروجها كيف أنها حافظت على صمودها هذا ومن أين لها بتلك القوة قالت لي .. إنها " الحاجة زينب الغزالي " فدائماً ما أراها أمام عينيَّ و لطالما وددت أن أكون مثلها و تذكرتها جيداً وتذكرت ما مرت به في تلك اللحظات فقد أثرَّ بي كثيراً؛ ربما ذلك ما أمدني ببعض القوة ثم يقيني بأني لم أفعل شيئاً خاطئاً يستحق أن أنحني لأجله.
* لكن أخيراً .. كرجل قانون برأيك لماذا يتوجه النظام بالقبض على طالبة كأيه أثناء ذهابها لصلاة العيد إذ لا يبدو أن سبباً ككوفيه يستدعي اعتقال طالبه جامعية لمدة 16ساعة ؟
فى رأيى أن النظام فى مصر وصل إلى حالة من الإفلاس والتخبط فبالتأكيد هو لم يأخذ " آيه " لذاتها أوشخصها حيث لم يجد إلا فتاه يرتدى أخوها كوفية فلسطين فقام بالقبض عليها؛ وهذا يعكس مدى استياء النظام من القضية الفلسطينية فهو بذلك قام بفضح نفسه بنفسه لما أصبح يخشاه من وعي أصبح ظاهراً بالمجتمع، وربما أيضاً رسالة يوجهها .. سنعلم مضمونها في أحداث قد تأتي مستقبلاً تغير من واقع البلد وواقع المجتمع .. إذ نعتبر أن أفعال النظام هي ردود أفعال لصدى الشارع المصري .