" لم يكن يدري وهو يندفع ليرتكب ذلك الجرم أن عاقبته ستكون أسوء مما تلفظ به ، رغم أن جريمته لم تكن سباً وقذفاً لأحد الشخصيات الهامة في الدولة ، أو كانت جريمة منكرة وإنما كانت جريمته فكرته ! تلك التي جلبت له أشد أنواع الإيذاء البدني والنفسي ، كانت صدمته من أن الذي يقوم بتعذيبه ابن عمه ورفيق صباه ، خرج بعد وصلات التعذيب المختلفة وليس في عقله أي فكره او هدف قط ؛ فقط يسير بجوار الحائط " الفقرة السابقة ليست لقطة من فيلم أو لمحة من قصة وإنما هو واقع يعيشه الناس في مصر ، الغريب أن الجميع يعيشه سواء كانت له فكره أو هدف أو لا يفكر من الأساس.
لماذا يلجأ النظام إلي تعذيب شعبه :
في هذا الصدد وردت الكثير من الأخبار التاريخية تحكي عن جبروت الحكام الظالمين وظلمهم وجورهم علي شعوبهم وأجمع المحللون لتلك الاخبار أن هدف هؤلاء الحكام في العادة هو اكتساب الاحترام في عيون الشعب بالخوف والظلم لأنهم لم يستطيعوا أن يكسبوا احترامهم بالحب والعدل ، وإذا نجح الحاكم في ذلك قد يصل لدرجة اعتبار نفسه إلهاً أو علي الأقل منزهاً عن الخطأ ، ومن ثم يطلب استكانة الشعب لرغباته بل والتفكير بنفس فكره وألا يرون إلا ما يري ولا يتحدثون إلا بما يتحدث ، والمثل الاوضح علي ذلك هو فرعون " فاستخف قومه فأطاعوه " تلك الطاعة التي يبحث عنها الحكام ، وهي ما بحث عنه جمال عبدالناصر الذي كان يعمل حتي يصل - علي حد قوله - إلي أن تتحرك البلاد يميناً ويساراً بضغطة زر واحدة ، الطغاة في كل عصر يبحثون دائما عن السيطرة و لا يبحثون عن العدل ، يبحثون عن القوة ولا يبحثون عن الرحمة ، يبحثون عن من يمدحهم ولا يبحثون عن من ينصحهم ، الطريف في كل ذلك أن النظام المصري قد استوعب دروس التاريخ جيداً في ذلك ولكنه فشل في استيعاب درس " أنها لو دامت لغيرك لما وصلت إليك" .
أساليب النظام في تعذيب المصريين :
من الواضح أن النظام المصري قد استطاع وبنجاح قيادة دفة الشعب بكل وسائل التعذيب الممكنة سواء النفسي أو البدني منها أو حتي العقلي وغيرها ، التعذيب واضح في كل شئ ، ولسنا نرصد هنا التعذيب في أقسام الشرطة أو التعذيب في المعتقلات والسجون وفروع أمن الدولة فكل هذه أبسط أنواع التعذيب وانتهاك الآدمية البشرية وهي أمور طبيعية لنظام استبدادي سلطوي ، ولكننا نرصد هنا تعذيباً من نوع آخر ، ذلك التعذيب الذي يعاني منه الرجل المصري والمرأة المصرية والشاب والطفل والعجوز مسلمين وأقباط ويهود يعيشون في مصر الجميع بلا استثناء يعيشون في هذا العذاب ليل نهار بدون رحمة أو شفقة من هذا النظام.
من الأفضل أن نبدأ بوسيلة الغباء السياسي وهي الوسيلة التي نجح رجال النظام فيها بجدارة ، فعندما يري الشعب المصري تحركات دول المنطقة وهي ترسم لنفسها مكانة وتضع نفسها في مصاف الدول الفاعلة في الوقت الذي تترك فيه النظام كل ذلك ويسعي للسيطرة فحسب ، وتخرج تصريحات وزير الخارجية والمتحدث باسم مجلس الوزراء وهي تجر أذيال الخيبة في كل حدث ، وفي هذا نوع من التعذيب العقلي الشديد لأهل مصر كلما ، وعندما تظهر صورة رجب طيب أردوغان أو أحمدي نجاد علي الشاشة فيتحسرون علي نوعية الرجال المسئولين عنهم في مصر.
أما الاستخفاف بعقول المصريين وهي وسيلة ناجعة تماماً فأي جريمة ترتكب وتنتشر وتملأ أخبارها الفضاء العام ويعم الخوف والقلق بين الناس ، يتم اعتقال أحد المصريين علي أنه الفاعل وأنه مصاب بلوثة عقلية أو أنه فاقد للأهلية وفعل ذلك رغماً عنه ولم يكن في وعيه ، الأهم من ذلك أنه يجب عليك كمواطن أن تصدق ذلك فهذه الحوادث كثيرة جداً من سفاح المعادي إلي خط الصعيد وصولا لـ " جاموسة " قطار العياط.
أما عن الوجوه الشابة وظهورها علي الشاشة مثل أحمد أبو الغيط أو مصطفي الفقي او يوسف بطرس غالي وغيرهم من رجال النظام فهي نوع من التعذيب القاسي حيث يفاجئ المواطن البسيط وهو يشاهد مسلسله اليومي بأحد هذه الوجوه وهو يبتسم في شكل يثير كافة مشاعر الغيظ والحنق وقد يؤدي لانهيار هذا المواطن البسيط ، فضلا عن الاستغلال والاحتكار وتغلل النفوذ لرجال الأعمال وسيطرة أبنائهم وعائلاتهم علي مقدرات الوطن ، فبالبحث لن تجد وزيراً لم ينتفع أحد من أقاربه من المنصب قد يكون نصيبه قليل لا يتعدي بضعة آلاف من الأفدنة ولكن مصائب قوم عند قوم فوائد.
الإبداع في التعذيب :
من الممكن أن تجمع عدة أنواع من وسائل التعذيب في وسيلة واحدة ، أما أن تصل إلي درجة الإحترافية في الموضوع فهو أمر لم يفعله إلا النظام المصري حيث أظهرت وسائل الإعلام أن عدداً من دول العالم تتعاقد مع مصر لنزع اعترافات من المعتقلين لديها ، كما أن عدداً من المعتقلين المصريين في الدول الغربية وأمريكا رفضوا أن يتم ترحيلهم إلي السجون المصرية.
ولا يفوتنا هنا أن نذكر ما حدث لشقيق سامي أبو زهري في سجن برج العرب ، لقد استشهد بعد وصلات من التعذيب في مقار امن الدولة أدت لخروج أحشاؤه ، والحديث عن الامثلة في الإبداع المصري في تعذيب كل من تسول له نفسه في أن يكون إنساناً حراً شريفاً ، ولما كان الحديث عن التعذيب وفنونه فلابد أن نتطرق إلي الوسائل التي ساقها أحد الإخوان الذي تم احتجازه ما يقرب من 4 أشهر في سجن تحت مكتب وزير الداخلية الذي يستمتع بآهات التعذيب - بحسب السجانين- ، والحوار منشور علي الموقع الرسمي للجماعة "إخوان أون لاين" وقد ذكر فيه أكثر من 40 وسيلة للتعذيب البدني والنفسي.
أين الطريق :
من الواضح أن ما رسمته القيادة السياسية لأتباعها قد صار قرآنا بالنسبة لهم فأصبحت أحلام تلك القيادة أوامر واجبة التنفيذ ، وأصبح الجميع يخشي من يحمل تلك الصفة التي طالما احتقرها الناس والتي غالباً ما تنم عن الشر ، حتي في الأفلام لن تجد عملاً واحداً يمجدهم أو يجد لهم صنيعاً حسناً ، أصبح رجال الشرطة هم حماة الإرهاب ومروجي المخدرات في المجتمع ، لدرجة وصلت بالناس إلي انتحال صفة ضباط البوليس للنصب والاحتيال.
ما حدث للمجتمع المصري الذي دائماً ما كان حائط صد عن الكرامة والكبرياء هو نتيجة زراعة كثيفة لفكر الخوف والإرهاب التي نجح فيها النظام ، فقد نجح في تهميش الحركة الطلابية التي كانت محور أساسي في النضال الوطني علي طول تاريخ مصر السياسي ، نجح في كبح جماح العمال وجعل قوت يومهم بالكاد يكفي حتي لا يفكر في شئ آخر ، استطاع أن يضع الأحزاب السياسية في خانة الصفر حيث لا حركة لا صوت لا فعل.
من هنا يتضح أن هناك طريق واضح لمقاومة هذا الظلم والجبروت من نظام استبدت به الأحوال وأصبح لا يري إلا نفسه وأن شعبه خادمه المطيع ، علي الجميع أن يفضح هذه التجاوزات ، صورة واحدة لخالد سعيد أثارت الدنيا ودفعت النظام وأربكت حساباته ، فما بالنا بآلاف الصور ومقاطع الفيديو التي تفضح الظلم في كل مكان ، لا تخشي شيئا ، كن إيجابي وتحدي الظلم وارفع كرامتك حتي لا تكون في يوم من الأيام مثل من ذهبوا ولم يسمع عنهم أحد.